غير مصنف
وثائق تتهم مركزاً لمكافحة التضليل بممارسة الرقابة على الأمريكيين.. مسؤولون سابقون: “لا دليل”

نشرت في
وجاء ذلك بعد أن تمّ نشر وثائق حكومية قُدمت على أنها دليل على ممارسة المركز رقابة داخل الولايات المتحدة، فيما يؤكد مسؤولون سابقون لـ”الغارديان” أن الملفات لا تثبت هذه الاتهامات، معتبرين أن الإدارة تعيد اليوم، وبكلفة أكبر، تنفيذ أعمال سبق أن انتقدت المركز بسببها.
اعلان
اعلان
وقد بدأت القضية بعدما قدمت وكيلة وزارة الخارجية للدبلوماسية العامة، سارة روجرز، مجموعة من الوثائق إلى المحللة اليمينية جينيكا باوندز، المعروفة على الإنترنت باسم “DataRepublican”. وكان يفترض أن تكشف هذه الملفات، وفق الرواية التي يتبناها منتقدو المركز، أن مكتباً أُنشئ أساساً لمواجهة الدعاية الأجنبية تحول إلى أداة للتأثير في النقاش السياسي داخل الولايات المتحدة.
لكن مسؤولين سابقين في المركز يرفضون هذا الاستنتاج، إذ يقول دانيال كيماغ، الذي تولى مناصب قيادية فيه منذ تأسيسه عام 2017 وحتى حله عام 2025، وكاري غوكس، نائبة منسقه بالوكالة سابقاً، إن الوثائق لا تظهر أن المركز استخدم أدواته ضد الأمريكيين. وقالت غوكس إن الملفات لا تتضمن “أي شيء على الإطلاق” يثبت هذه المزاعم.
ونشرت روجرز الوثائق بنفسها بعدما قالت المحللة باوندز إن تسليمها إليها ربما كان محاولة لـ”الإيقاع” بها، وهو ما نفته روجرز. واتهمت الأخيرة مسؤولين سابقين في المركز بأنهم “خانوا مهمتهم المعلنة”، مستندة، من بين أمور أخرى، إلى تقرير صدر عام 2022 عن “المعلومات المضللة القائمة على النوع الاجتماعي”.
من أين بدأت اتهامات “الرقابة”؟
يعود الخلاف إلى حملة استمرت سنوات قادها جمهوريون اتهموا خلالها “مركز المشاركة العالمية” بالانخراط في مساعٍ حكومية وتقنية لقمع أصوات محافظة داخل الولايات المتحدة. وفي تموز/يوليو 2024، قال أعضاء جمهوريون في الكونغرس إن المركز ساهم في توسيع مفهوم المعلومات المضللة بطريقة يمكن أن تستخدم في “فرض الرقابة” على الخطاب المحافظ.
وتركز جزء كبير من هذه الانتقادات على تمويل المركز لـ”مؤشر التضليل العالمي” (GDI)، وهو منظمة غير ربحية مقرها بريطانيا. وكان التمويل مخصصاً لمساعدة المنظمة في مراقبة الدعاية في آسيا.
لكن المنظمة نشرت، بصورة منفصلة عام 2022، دراسة عن سوق الإعلام الأمريكي، صنفت فيها مؤسسات محافظة مثل “نيوزماكس” و”وان أمريكا نيوز” و”نيويورك بوست” ضمن الجهات الأعلى خطراً لناحية نشر معلومات مضللة.
ومنذ ذلك الحين، استخدم منتقدو المركز هذه الدراسة للقول إن أموالاً حكومية مخصصة لمواجهة الدعاية الخارجية انتهت بصورة غير مباشرة إلى منظمة تدخلت في النقاش السياسي الأمريكي.
غير أن كيماغ وغوكس يفرقان بين نشاط المنظمة وبين عمل المركز نفسه، ويؤكدان أن الأخير لم يكن يراقب الأمريكيين أو وسائل الإعلام الأمريكية، بل كان يتابع جهات أجنبية وعمليات نفوذ تنفذ خارج الولايات المتحدة.
وقال كيماغ إن شهادته أمام الكونغرس، التي أدرجت ضمن الوثائق المنشورة، جرى تفسيرها بصورة انتقائية. وأوضح أنه سُئل آنذاك عما إذا كان المركز يتخذ مواقف من وسائل إعلام أمريكية، فأجاب بوضوح بأنه لم يفعل.
أما باوندز، التي تلقت الوثائق، فكشفت لاحقاً أنها تعمل منذ تموز/يوليو موظفة حكومية خاصة لدى وزارة الدفاع. كما نشرت قاعدة بيانات لتتبع أمريكيين منتمين إلى منظمة “الاشتراكيون الديمقراطيون في أمريكا”، من دون أن يوضح البنتاغون ما إذا كان ذلك مرتبطاً بمهامها الحكومية.
ما هي مهام المركز؟
أُنشئ “مركز المشاركة العالمية” لمتابعة الدعاية وعمليات النفوذ الأجنبية، وركز خلال نحو عقد من عمله على أنشطة مرتبطة خصوصاً بروسيا والصين وإيران.
ونشر المركز ثمانية تقارير عامة تناولت عمليات معلوماتية روسية وصينية، وكشف أربع حملات تضليل روسية كبيرة في أمريكا اللاتينية وأفريقيا ومولدوفا، إضافة إلى أنشطة مرتبطة بشبكة “RT” التابعة للكرملين.
ومن أبرز الملفات التي تابعها حملة عُرفت باسم “المبادرة الأفريقية”، قال المركز إنها مدعومة من الكرملين واستعانت بصحافيين ومدونين وشخصيات محلية لنشر نظريات مؤامرة بشأن برامج صحية تمولها الولايات المتحدة في أفريقيا.
وفي كانون الثاني/يناير 2024، ساعد المركز في التوصل إلى اتفاق دولي للتعاون ضد التضليل الذي ترعاه دول أجنبية، وانضمت إليه لاحقاً أكثر من 20 حكومة.
كما خلصت مراجعة أجراها المفتش العام عام 2022 إلى أن المركز كان “فعالاً بشكل عام” في دعم برامج مكافحة التضليل، مع تسجيل نقاط ضعف تتعلق بالرقابة الداخلية والإشراف على المتعاقدين والتخطيط الاستراتيجي.
وكان المركز يتمتع في مراحل سابقة بدعم من الحزبين الجمهوري والديمقراطي. وبلغت ميزانيته نحو 61 مليون دولار سنوياً، فيما وصل عدد موظفيه إلى نحو 120 شخصاً قبل أن يرفض الكونغرس إعادة تفويضه عام 2024، لينتهي عمله في نهاية ذلك العام.
وبعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض، دمج وزير الخارجية ماركو روبيو ما تبقى من أنشطة المركز في مكتب جديد لمكافحة التلاعب والتدخل بالمعلومات الأجنبية، وقدم إغلاقه باعتباره نهاية لسياسات حكومية مهدرة للأموال وقائمة على الرقابة.
مهام مشابهة بميزانية جديدة
بعد أقل من عام على إغلاق المركز، أظهرت خطط جديدة أن وزارة الخارجية تستعد لتنفيذ أنشطة تشبه بعض مهامه السابقة. ووفق مقترح اطلعت عليه “الغارديان”، تخطط الوزارة لإنفاق 11 مليون دولار على حملة تمتد لعدة سنوات لمواجهة الدعاية الصينية في جنوب شرق آسيا، وتشمل الاستعانة بمؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي.
ومن المقرر أن تدير البعثة الأمريكية لدى رابطة دول جنوب شرق آسيا “آسيان” المشروع، الذي يشمل حملة إعلامية بقيمة 5 ملايين دولار، وبرنامجاً بقيمة 3 ملايين لتدريب مؤثرين وصحافيين على رصد الدعاية الصينية ومواجهتها، إضافة إلى 3 ملايين دولار لنقل نحو 180 مشاركاً إلى واشنطن وهيوستن للتدريب والتعاون مع مؤسسات وصناع محتوى أمريكيين.
وبحسب المقترح، قد يحصل نحو 30 مؤثراً في 11 دولة على ما يصل إلى 2500 دولار لكل منهم. وتستهدف الخطة بصورة خاصة أشخاصاً لا يتخذون موقفاً مؤيداً أو معادياً للولايات المتحدة، على أمل أن يدفعهم البرنامج لاحقاً إلى دعم علاقات موثوقة أكثر مع واشنطن، وخصوصاً في ملفات التجارة والمعايير التكنولوجية وبحر الصين الجنوبي.
واللافت أن وثائق المشروع تستشهد بباوندز نفسها نموذجاً لنوعية الأشخاص الذين يمكن البحث عن شخصيات مشابهة لهم في الخارج. كما كشف ملف حكومي يعود إلى أيار/مايو 2026 أن مكتب السياسات والتخطيط والموارد للدبلوماسية العامة طلب معلومات من شركات بشأن برامج لتحليل المصادر المفتوحة، ورسم خرائط لـ”شبكات تأثير الدعاية المعادية”، ورصد المحتوى المزيف باستخدام تقنيات التزييف العميق.
ورفضت وزارة الخارجية الإجابة مباشرة عن أسئلة “الغارديان” بشأن الوثائق المسربة وخطة المؤثرين والبرامج الحالية لمواجهة النفوذ الأجنبي، مكتفية بالقول إنها ستواصل التصدي “للرقابة والدعاية المعادية لأمريكا والنفوذ القسري”.
ويرى مسؤولون سابقون في “مركز المشاركة العالمية” في هذه الخطط مفارقة واضحة: فالإدارة أغلقت المركز متهمة إياه بالتجاوز والرقابة، لكنها تعود الآن إلى تنفيذ بعض الوظائف نفسها عبر جهات أخرى.
وقالت غوكس إن الإدارة تبدو وكأنها تعيد إنشاء المركز بصورة مختلفة، ولكن بكلفة أكبر وبالاعتماد على متعاقدين لتنفيذ أعمال كان موظفو المركز يقومون بها. وحذرت من أن إغلاقه لم يؤثر فقط في قدرة الولايات المتحدة على مواجهة عمليات النفوذ الأجنبي، بل أضر أيضاً بثقة شركائها بها.