غير مصنف
براد كوبر بين النجاحات العسكرية ومعضلات حرب إيران.. كيف أثّر قائد “سنتكوم” في مسار المواجهة؟

كشفت صحيفة “جيروزاليم بوست” معطيات جديدة عن دور قائد القيادة المركزية الأميركية “سنتكوم”، الأدميرال براد كوبر، في إدارة الحرب على إيران، من أزمة مضيق هرمز واتصاله السري لطلب اغتيال قائد بحرية الحرس الثوري، إلى أضرار القواعد الأميركية واستنزاف الدفاعات الجوية والتباين مع إسرائيل بشأن أهداف الحرب.
اعلان
اعلان
ويعرض التقرير صورة لقائد تنسب إليه مصادر أميركية وإسرائيلية إنجازات عسكرية كبيرة، لكنه يفضّل إيصال مواقفه عبر كبار المسؤولين في الإدارة بدلاً من مخاطبة الرئيس دونالد ترامب مباشرة، فيما تبقى نتائج الحرب الاستراتيجية موضع تساؤل.
وتأتي هذه المعطيات بينما يدرس ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قراراتهما المقبلة بشأن إيران والصراع في الشرق الأوسط، وسط انتقادات للكلفة التي تحملتها الولايات المتحدة وحلفاؤها والاقتصاد العالمي.
كوبر.. تأثير عبر التسلسل القيادي
كانت الصحيفة قد أفادت في نيسان بأن كوبر أقل مبادرة من سلفه، الجنرال مايكل “إريك” كوريلا، في عرض رؤيته الاستراتيجية مباشرة على ترامب، إذ يفضّل نقلها إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كين. وأضافت أنه يتواصل أحياناً مع وزير الخارجية ماركو روبيو أو وزير الدفاع بيت هيغسيث، وفقاً للقضية المطروحة.
ويرى كوبر أن هذا النهج يتناسب مع دوره قائداً للعمليات القتالية، ويضمن وصول مخاوفه إلى أعلى مستويات القرار.
وتشيد الأطراف التي تناول التقرير مواقفها بأدائه نائباً لقائد “سنتكوم” خلال حرب حزيران 2025، حين أدار جانباً واسعاً من التنسيق مع كبار المسؤولين الإسرائيليين، وكذلك بتخطيطه وتنفيذه العمليات خلال حرب أوائل عام 2026، وتوظيف خبرته البحرية في أزمة هرمز. لكن هذا التقدير لا يلغي الأسئلة بشأن تأثيره في الملفات التي ينتقد الأميركيون نتائجها.
هرمز… لماذا لم يُؤمَّن منذ البداية؟
شكّل إغلاق إيران مضيق هرمز خلال جزء كبير من عام 2026 أكبر ضربة لسمعة إدارة ترامب، وفق التقرير، بعدما هزّ الاقتصاد الأميركي والعالمي، بصرف النظر عن نجاح السيطرة العملياتية الأميركية الحالية في المرحلة المقبلة.
وانتقد خبراء عدم تأمين المضيق في بداية الحرب. لكن موقف كوبر، بحسب الصحيفة، يقوم على أن ذلك لم يكن ممكناً قبل تحييد التهديدات الرئيسية للطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية والسفن الحربية الإيرانية الكبيرة، وهي مهمة قُدّر أنها تحتاج إلى شهر على الأقل.
ويقول مسؤولون عسكريون أميركيون إن بعض الانتقادات تسقط الظروف الحالية على أوائل آذار، وتتجاهل الأشهر التي استغرقها استنزاف القدرات الإيرانية، بما أتاح لاحقاً تركيز العمليات على المضيق. ومن هذا المنظور، يعتبر كوبر أن تحييد الأزمة فوراً لم يكن متاحاً.
مع ذلك، تبقى بدائل الاستراتيجية موضع نقاش. فقد اقترح قائد “سنتكوم” السابق، الجنرال كينيث فرانكلين ماكنزي الابن، في حديث للصحيفة في 9 نيسان، الاستيلاء على جزيرة خرج أو استخدام قوة نارية متواصلة لمنع إيران من العمل فيها وحول هرمز.
لكن عدم رغبة ترامب في خسارة عناصر من مشاة البحرية أو الإضرار طويل الأمد بالاقتصاد الإيراني غير العسكري فرض قيوداً تجعل نتائج هذه البدائل غير واضحة.
رواية أميركية تشكك في تلغيم المضيق
نقلت الصحيفة أن كوبر يعتبر إعلان إيران إغلاق هرمز في أوائل آذار زائفاً جزئياً: فالخطر الذي دفع السفن إلى وقف العبور كان حقيقياً، في ظل التهديد بمئات الصواريخ وآلاف المسيّرات يومياً، لكن ادعاءات بدء تلغيم المضيق كانت، وفق المصادر الأميركية، مختلقة في معظمها.
وبحسب التقرير، فحصت البحرية الأميركية أجساماً مشبوهة في البحر، ووجدت أن الغالبية العظمى من الألغام الثمانين المفترضة كانت غير فعالة.
وتخالف هذه الرواية تقارير نشرتها “وول ستريت جورنال” و”سي إن إن” ووسائل أخرى في أوائل آذار ومنتصفه، عن زرع ألغام بكميات كبيرة وصعوبة إزالتها. وتقول المصادر الأميركية إن تهديدات الصواريخ والمسيّرات كانت قائمة منذ البداية، لكن المعلومات الداعمة للتلغيم الكثيف تبيّن لاحقاً أنها غير صحيحة.
وذكرت الصحيفة أن معطياتها تشير إلى عدم نشر إيران ألغاماً في هرمز قبل وقف إطلاق النار الأولي في 7 نيسان. وأقرّت بأن هذه الرواية قد تبدو ملائمة للمصادر الأميركية، لأنها تتيح ربط أوجه القصور بغياب العمليات المتواصلة، لكنها استندت أيضاً إلى عدم وجود تقارير عن تضرر سفن بألغام بحرية.
وبحلول أيار 2026، أعلنت “سنتكوم” تدمير أكثر من 90% من مخزون تجاوز ثمانية آلاف لغم إيراني، دُمّر كثير منها قبل نشره.
اغتيال تنكسيري… تحرك استباقي بطلب أميركي
تناول التقرير اتصالاً سرياً أجراه كوبر برئيس أركان الجيش الإسرائيلي، الفريق إيال زامير، قرابة 19 آذار، طالباً اغتيال قائد بحرية الحرس الثوري علي رضا تنغسيري، الذي اعتُبر تهديداً خطيراً لهرمز وللمواجهة البحرية. وافق زامير، ونفّذت إسرائيل الاغتيال في 26 آذار.
وتطرح الواقعة سؤالاً عن سبب هذا الطلب، بينما تقول المصادر الأميركية إن عمليات التلغيم الفعلية والكبيرة لم تكن قد بدأت حتى توقف الصراع في وقت ما من منتصف نيسان.
وبحسب الصحيفة، واجه الأميركيون ارتباكاً وتفاوتاً في الثقة بالمعلومات المتعلقة بمناقشات طهران بشأن التلغيم. وأقرت مصادر من الجانبين بأن تلك المناقشات لم تعنِ صدور أوامر تنفيذية، ما يجعل طلب كوبر، في جوانب عديدة، تحركاً استباقياً لمنع مشكلة استراتيجية محتملة.
وكانت الصحيفة قد أفادت في وقت سابق الخميس بأن مسؤولين إسرائيليين خشوا تولي تنكسيري قيادة الحرس الثوري، ورأوا فيه خصماً أصعب من أحمد وحيدي، الذي تولى المنصب لاحقاً. فقد اعتبروه قائداً مبدعاً وواسع الحيلة، مقابل تقييم وحيدي بوصفه أقرب إلى نائب لنائب كبار القادة، محدود القدرة على تشكيل الوضع الأمني الأوسع.
تغيير النظام… تباين بين واشنطن وإسرائيل
منذ بداية الحرب، تسربت مواقف أميركية تعارض أو تشكك في جدوى خطط تغيير النظام التي دفعت بها إسرائيل، واتسعت الفجوة بين أولويات الطرفين مع امتداد الصراع.
وظهر ذلك في اختيار الأهداف: اغتالت إسرائيل آية الله علي خامنئي ومسؤولين إيرانيين كباراً، بينما ركزت الولايات المتحدة على إضعاف القدرات العسكرية، وابتعدت إلى حد كبير عن استهداف القيادة السياسية.
وزادت تصريحات ترامب الصورة تعقيداً، إذ شجّع أحياناً على تغيير النظام واستخدم تعبيرات توحي بمحو إيران كدولة قادرة على العمل، لكنه وكبار مساعديه لم يصدروا، بحسب الصحيفة، أي توجيهات للجيش أو “سنتكوم” لتحقيق ذلك.
وتشير المصادر الأميركية إلى أنه أدلى أيضاً بعدد مماثل أو أكبر من التصريحات المتحفظة على هذا الهدف، من دون الحفاظ على رسالة علنية متسقة.
الملف النووي… هدف لم يُحسم
يختلف الأمر في الملف النووي، إذ شكّل دفع إيران إلى تقديم تنازلات، بعدما اعتُبرت المفاوضات قد فشلت، الحد الأدنى من الهدف الاستراتيجي الأساسي للحرب.
ولهذا، استهدفت الضربات على الصواريخ والمسيّرات والبحرية إزالة التهديدات التي أعاقت الولايات المتحدة والغرب وإسرائيل عن مواجهة البرنامج النووي مباشرة. ورغم فوائد إضعاف تلك القدرات بحد ذاته، بقي الضغط لانتزاع تنازلات نووية الغاية الرئيسية.
ولا يزال تقييم النجاح غير محسوم، بينما ينتظر كوبر و”سنتكوم”، مثل إسرائيل وجزء كبير من العالم، معرفة نقطة انهيار إيران تحت الضغط العسكري والاقتصادي.
ويرى التقرير أن هذا الانتظار يصبح إشكالياً بعد سبعة أشهر: فإيران تلقت ضربات أشد، لكن القواعد والجنود والحلفاء والاقتصاد الأميركي والعالمي تضرروا أيضاً، طوال مدة تزيد سبع مرات على المدة التي وعد ترامب بأن تستغرقها الحرب.
ومع التساؤل عما إذا كان كوبر سيضغط مباشرة لإنهاء الصراع أو استئناف العمليات لكسر الجمود، تفيد الصحيفة بأن نهجه لن يتغير حتى لو استمر الوضع سنة أو بضع سنوات، مهما كان ذلك مستبعداً، وستبقى ملاحظاته تمر عبر كين وروبيو وهيغسيث.
القواعد الأميركية… تحذيرات وخسائر متوقعة
حذّر ماكنزي عام 2024 من أن القواعد الأميركية في المنطقة لن تصمد في صراع شامل، لأن الهجمات الإيرانية المتواصلة ستجعلها غير قابلة للاستخدام. وسبق أن أفادت الصحيفة ووسائل أخرى بأن واشنطن و”سنتكوم” لم تأخذا بتحذيراته.
لكن كوبر لم يتولَّ القيادة بالكامل إلا في آب 2025، ما حدّ من قدرته على التحرك، فيما لم تحظَ جهوده السابقة في هذا الملف بتغطية تُذكر.
وتقول رواية مضادة عرضها التقرير إن تقليص القواعد والأصول بدأ قبل الحرب، خصوصاً في العراق وسوريا، وتوسع بعدها ليشمل الكويت. في المقابل، لم تعلن واشنطن تقليص وجودها في الأردن والسعودية، رغم الضربات القاسية والمتكررة على قواعدها هناك.
ويبرز تباين آخر بشأن الأضرار التي بلغت مليارات الدولارات. فبينما أنكر هيغسيث حجمها مراراً وواجه اتهامات بالتستر عليها، تعتبر “سنتكوم” أنها كانت متوقعة، وأن انتشار القواعد على نطاق واسع جعلها عرضة للهجمات الحديثة.
وبحسب هذا التقييم، تعود هشاشة التموضع الأميركي إلى أنماط أقدم من الحروب، لكن تغيير انتشار بُني خلال عقود يحتاج إلى وقت، خصوصاً في جيش ضخم يتسم ببطء نقل القوات الكبيرة بين القواعد ومسارح العمليات.
كما غيّر تطور المسيّرات الظروف الأمنية بسرعة وبصورة أعمق من التهديد الصاروخي المعروف منذ عقود. وطرح التقرير احتمال أن تكون أطراف في إدارة ترامب قد قللت من قدرة إيران على إطلاق هذا العدد من الصواريخ.
في المقابل، يعتز كوبر بنجاح منظومة الدفاع الجوي الإقليمية الأميركية مع حلفاء الشرق الأوسط.
الدفاعات الجوية… نجاح بكلفة مرتفعة
تشير المعطيات الواردة في التقرير إلى استنزاف كبير محتمل للمخزون الأميركي من وسائل اعتراض الصواريخ والمسيّرات، وسط تحذيرات داخل المؤسسة الدفاعية من نقص قد يظهر إذا اندلعت حرب قريبة مع روسيا أو الصين.
ويلفت التقرير إلى احتمال أن يكون كوبر قد نقل هذه المخاوف إلى كين وهيغسيث، فيما نفى الأخير وترامب أي تأثير قتالي للنقص، من دون توضيح انعكاسه على الجاهزية.
ويستند تقييم كوبر للكلفة إلى أن إيران تضررت أكثر بكثير، بخسائر تتراوح بين 200 و300 مليار دولار في قطاعها الدفاعي جراء الهجمات الأميركية والإسرائيلية، مقابل نحو خمسة مليارات دولار للولايات المتحدة.
ونقل التقرير تقديرات تقول إن التفوق في الدفاعات الجوية حال دون احتمال مقتل ملايين الأشخاص بالقصف الإيراني في أسوأ السيناريوهات، فيما تضع تقديرات أخرى الخطر في نطاق عشرات الآلاف. واعتبر أن الحالتين تعكسان استعداد إيران لارتكاب قتل جماعي لولا قوة الدفاع الإقليمي الذي تقوده “سنتكوم”.
لكن مصادر أميركية شككت في جعل مقارنة الخسائر معياراً للنجاح، متسائلة إن كان ممكناً تحقيق الأهداف الاستراتيجية من دون أضرار بقيمة خمسة مليارات دولار في القواعد الأميركية.
فنزويلا وتوقعات الحسم السريع
تعتقد مصادر عسكرية أميركية أن بعض التوقعات العامة للحرب تأثرت بسرعة وسهولة ما وصفه التقرير بالانقلاب الفعلي الذي نفذته الولايات المتحدة في فنزويلا في كانون الثاني من هذا العام.
ولم يذكر المسؤولون العسكريون ترامب صراحة في انتقادهم، لكن تصريحاته بشأن تفاجئه بعدم انهيار إيران مبكراً توحي، بحسب الصحيفة، بأن كثيراً منهم يرون أنه انجرف أيضاً وراء ذلك “النصر” السريع.
الصواريخ الإيرانية… تراجع دون زوال التهديد
كرر ترامب وكين وهيغسيث خلال الحرب أن منظومة الصواريخ الباليستية الإيرانية تعرضت لتدمير هائل، وأن تهديدها سيختفي تقريباً خلال أيام أو أسابيع. كما قدّر مسؤولون إسرائيليون في الدفاع والاستخبارات، في آذار ونيسان، احتمال انخفاض مخزون إيران إلى بضع مئات فقط.
وأورد التقرير تراجع عدد الصواريخ من 2500 إلى 1600، وذكر بشأن الإنتاج توقعاً يبلغ ألفي صاروخ بنهاية 2026، مقابل تقديرات أصلية قبل الحرب بإمكان الوصول إلى ستة آلاف، في غياب تدخل خارجي.
وتعتبر “سنتكوم” أن التهديد أصبح أضعف بكثير، لكن النتائج أظهرت، وفق الصحيفة، مبالغة في تفاؤل التوقعات الأميركية والإسرائيلية.
فقد واصلت إيران إطلاق عشرات الصواريخ والمسيّرات في أنحاء الشرق الأوسط، بما يشمل استهداف السفن الأميركية خلال تجدد المواجهة مع واشنطن. ورغم تراجع الهجمات مقارنة بمئات الصواريخ وآلاف المسيّرات يومياً في بداية الحرب، فإنها تجاوزت المستوى المحدود المتوقع، وظلت تهديداً استراتيجياً.
ولذلك، ورغم تراجع قدرة إيران على فرض سطوتها الإقليمية، لا تزال الولايات المتحدة وإسرائيل تحجمان عن السيطرة بالقوة على أصولها النووية المتبقية، خشية ما بقي من قدراتها العسكرية.
حذر قيادي وسط موجة إقالات
يرسم التقرير صورة لـ”سنتكوم” بوصفها مؤثرة بقوة في بعض الملفات، وحذرة من المجازفة في أخرى، في وقت أُقيل فيه عدد كبير من كبار الجنرالات الذين أعلنوا اختلافهم مع أفكار ترامب أو هيغسيث، بأعداد لم تُشهد منذ سنوات.
ومن هذا المنظور، أسهم اعتماد كوبر على التسلسل القيادي في تجنيبه موجة الإقالات حتى الآن.
وترى الصحيفة أن تقييم دوره تاريخياً سيحتاج إلى سنوات، للموازنة بين إسهاماته الكبيرة في أمن الشرق الأوسط والمعضلات التي تجنب فيها إحداث اضطراب واسع. وفي الأثناء، تعتبر أن جزءاً كبيراً من المنطقة يقدّر ثبات قيادته، وسط التقلب الشديد وصعوبة التنبؤ بمواقف ترامب وواشنطن.