غير مصنف
بعد أحداث قرية تل.. إسرائيل تشن حملة اعتقالات واسعة في الضفة الغربية وهجمات المستوطنين تتصاعد

نفذت القوات الإسرائيلية اليوم حملة واسعة في قرية “تل” جنوب غربي نابلس، واعتقلت ما لا يقل عن 80 فلسطينياً، بحسب وكالة الأنباء الفلسطينية “وفا”، وذلك عقب أعمال العنف التي شهدتها القرية الجمعة.
اعلان
اعلان
وذكرت الوكالة أن الاعتقالات جاءت بعد هجوم نفذه مستوطنون على القرية، فيما داهمت القوات الإسرائيلية منازل السكان ونفذت عمليات تفتيش واسعة.
وقال رئيس بلدية تل، وليد زيدان، إن نحو 70 من أبناء القرية احتُجزوا وخضعوا للاستجواب داخل مركز تحقيق ميداني أُقيم في أحد المنازل، مضيفاً في تصريحات لوكالة “رويترز” أن ما بين 10 و12 شخصاً فقط أُفرج عنهم حتى الآن.
وأوضح زيدان أن قوات الجيش لا تزال تواصل مداهمة المنازل، فيما تجوب الدوريات العسكرية شوارع القرية، مشيراً إلى أن الحركة شبه متوقفة بالكامل داخل البلدة.
وأضاف أن الأحداث بدأت بعدما “تعمد المستوطنون استفزاز سكان القرية”، مؤكداً أنهم “لم يكونوا يسلكون طريقاً أو مساراً كما يزعمون، بل كانوا يعتزمون مهاجمة المنازل، بينما كان الأهالي يدافعون عن بيوتهم لا أكثر”.
في المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي أن قوات الأمن استجوبت 80 شخصاً في منطقة تل، واعتقلت 11 منهم.
وقد شُيّعت جثامين الفلسطينيين الأربعة الذين قُتلوا في المواجهات، فجر اليوم، في مراسم محدودة فرضتها القيود العسكرية الإسرائيلية.
تصعيدٌ في أنحاء الضفة
بالتزامن مع الأحداث التي شهدتها بلدة تل، اتسعت العمليات الإسرائيلية لتشمل مناطق عدة في الضفة الغربية، حيث اقتحمت القوات الإسرائيلية بلدتي الرام وعناتا شمال القدس، وأطلقت قنابل الغاز باتجاه منازل الفلسطينيين في عناتا، فيما نفذت عمليات دهم في الرام. كما هاجم مستوطنون مركبات فلسطينية بالحجارة بين قريتي المغير وأبو فلاح قرب رام الله.
وامتدت حملات الاقتحام والاعتقال إلى محافظات عدة، إذ اعتُقل خمسة فلسطينيين في جنين، و13 في رام الله والبيرة، وثمانية في الخليل، وخمسة في طولكرم، وستة في قلقيلية، وثلاثة في بيت لحم، إضافة إلى اعتقال فلسطيني في بلدة العيزرية جنوب شرقي القدس.
وشهدت بعض المناطق إجراءات ميدانية إضافية، إذ حولت القوات الإسرائيلية بنايتين سكنيتين في ضاحية شويكة شمال طولكرم إلى ثكنتين عسكريتين بعد إخلائهما، كما اعتدت على فتى يبلغ من العمر 14 عاماً، ما أدى إلى إصابته بكسر في الأنف.
وفي شرق الخليل، هاجم مستوطنون منزل فلسطيني مسنّ في قرية بيرين، ودمروا محتوياته بالكامل، فيما أحبط سكان في منطقة معازي جبع، شمال القدس، محاولة نفذها مستوطنون لسرقة عشرات رؤوس الأغنام، بعدما تصدوا لهم وأجبروهم على الانسحاب.
إسرائيل تعلن عملية واسعة
كانت إسرائيل قد أعلنت، الجمعة، إطلاق ما وصفته بـ”عملية كبيرة لمكافحة “الإرهاب”، وفق تعبيرها، وشملت مداهمة مستشفى في مدينة نابلس، اعتُقل خلالها فلسطينيان. كما أعلن الجيش الإسرائيلي تأجيل إجازات الجنود العاملين في الضفة الغربية.
وأفاد مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أمس، بأنه عقد مشاورات أمنية لبحث تطورات الأحداث، قبل أن يصدر ووزير الدفاع إسرائيل كاتس تعليمات بهدم منزل أحد الفلسطينيين الذين تتهمهم إسرائيل بالمشاركة في الهجوم.
كما وجّه نتنياهو وكاتس بتنفيذ “عملية قوية” في القرى التي تعتبرها إسرائيل “بؤراً للإرهاب”، إلى جانب فرض قيود على حركة الفلسطينيين.
وأضاف مكتب رئيس الوزراء أنه سيعمل على تسريع إجراءات الموافقة على بناء مزيد من المستوطنات، إلى جانب المضي في الاعتراف بالبؤر الزراعية الاستيطانية التي لا تزال غير قانونية حتى بموجب القانون الإسرائيلي.
روايتان متناقضتان حول الاشتباكات
تباينت الروايات بشأن كيفية اندلاع المواجهات التي أشعلت موجة التصعيد الأخيرة، فقد زعم الجيش الإسرائيلي أن فلسطينيين هاجموا مجموعة من الإسرائيليين كانوا “يتنزهون” قرب قرية تل، وأضاف أن المهاجمين استولوا على سلاح وأطلقوا النار على المستوطنين، معلناً أن قواته “قضت على الإرهابي الذي نفذ الهجوم”، بحسب وصفه.
وأوضح الجيش أن أحد القتيلين الإسرائيليين هو بناياهو ميليت (32 عاماً) من مستوطنة حفات جلعاد، قبل أن يعلن لاحقاً مقتل الجندي يوفال عزرا (27 عاماً).
لكنّ الجيش الإسرائيلي عاد لاحقاً ليقرّ بأن بعض الإسرائيليين كان مسلحاً، مؤكداً أن تبادلاً لإطلاق النار وقع بين الطرفين قبل تدخل القوات الإسرائيلية.
في المقابل، قالت السلطات الفلسطينية إن إطلاق النار جاء بعد استفزازات نفذها مستوطنون كانوا يعتزمون مهاجمة سكان قرية تل الواقعة جنوب غربي نابلس.
كما أعلن مسؤولون فلسطينيون أن أربعة فلسطينيين قُتلوا خلال أعمال العنف.
مقاطع مصورة توثق المواجهات
قالت صحيفة “لوموند”الفرنسية إن مقاطع فيديو اطلعت عليها أظهرت مستوطنين يحملون بنادق هجومية، ويرافقهم جنود إسرائيليون، وهم يصرخون في وجه سكان فلسطينيين غير مسلحين ويدفعونهم بعنف.
وأضافت الصحيفة أن اللقطات تُظهر الشاب الفلسطيني فاروق رمضان وهو ينتزع سلاح أحد المستوطنين ويطلق النار عليه من مسافة قريبة.
كما أظهرت التسجيلات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي حالة من الفوضى والمواجهات بين حشد من سكان القرية ومجموعة كبيرة من الإسرائيليين، كان بعضهم مسلحاً، بينما ظهر جنود إسرائيليون في المكان.
وتُسمع في خلفية التسجيل أصوات باللغة العبرية تقول: “ابتعدوا”، و”إنه يحاول انتزاع سلاحه… لقد انتزع سلاحه”، ثم “أطلقوا النار عليه!”، فيما يُسمع أيضاً صوت طفل يصرخ: “انتقام!”.
اعتداءات للمستوطنين في مناطق أخرى
في سياق متصل، قالت منظمة “بتسيلم” الإسرائيلية لحقوق الإنسان إن “اعتداءات واسعة النطاق ينفذها المستوطنون، إلى جانب هجمات عسكرية، تجري في عدد من القرى والمدن الفلسطينية”، وذلك عقب أعمال القتل التي شهدتها المنطقة.
وأفادت وسائل إعلام فلسطينية بإضرام النار في ما لا يقل عن ستة منازل خلال الاشتباكات قرب نابلس، إضافة إلى إصابة عدد من الأشخاص.
كما أفادت تقارير فلسطينية بأن مستوطنين هاجموا قرية جيت، حيث قال رئيس مجلس القرية جمال يمين لوكالة “وفا” إن “مئات” المستوطنين حاولوا اقتحام ممتلكات السكان وإحراقها. وأضاف أن اعتداءات المستوطنين في المنطقة “تصاعدت بشكل ملحوظ خلال الفترة الأخيرة”.
وفي سياق متصل، قال نادي الأسير الفلسطيني إن الاعتقالات طالت أسرى فلسطينيين محررين، مشيراً إلى أن الجزء الأكبر من هذه الحملة تركز في بلدة تل.
واعتبر النادي أن هذه الإجراءات تمثل امتداداً لسياسة “العقاب الجماعي” بحق الفلسطينيين، لافتاً إلى أن حملات التحقيق الميداني شهدت تصاعداً غير مسبوق خلال الفترة الأخيرة، بالتزامن مع تزايد اعتداءات المستوطنين.
وأضاف أن آلاف الفلسطينيين خضعوا لتحقيقات ميدانية منذ بداية العام الجاري، فيما تجاوز عدد الأسرى الفلسطينيين من الضفة الغربية 3600 أسير.
تصعيد مستمر منذ حرب غزة
يعيش مئات آلاف المستوطنين الإسرائيليين بين ملايين الفلسطينيين في الضفة الغربية، التي احتلتها إسرائيل خلال حرب عام 1967.
وتعتبر غالبية دول العالم، إلى جانب هيئات الأمم المتحدة، المستوطنات الإسرائيلية غير قانونية بموجب القانون الدولي، بينما ترفض إسرائيل هذا الموقف، مستندة إلى ما تقول إنها روابط دينية وتاريخية بالأرض.
وشهدت الأشهر الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في هجمات المستوطنين على القرى الفلسطينية، فيما وقع حادث يوم الجمعة داخل ما يُعرف بـ”المنطقة أ”، التي تخضع للإدارة المدنية للسلطة الفلسطينية، ويُحظر على المدنيين الإسرائيليين دخولها بموجب القانون الإسرائيلي، وتشكل أقل من خمس مساحة الضفة الغربية.
ومنذ اندلاع الحرب على غزة عام 2023، تصاعدت أعمال العنف في الضفة الغربية بصورة كبيرة، مع تكثيف إسرائيل عملياتها العسكرية وفرض قيود على الحركة، بالتزامن مع اعتداءات شبه يومية ينفذها مستوطنون ضد المدنيين الفلسطينيين، ما أدى إلى تسجيل أعداد قياسية من الضحايا.
ورغم الإدانات الصادرة عن منظمات دولية وعدد من الدول الأوروبية للتصاعد الحاد في هجمات المستوطنين، فإن تلك المواقف لم تنجح في وقف وتيرة التصعيد، في وقت تواصل فيه حكومة نتنياهو توسيع مشاريع الاستيطان في الضفة الغربية.